محمود سالم محمد

126

المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي

ولذلك كان لا بد من تميّز هذا اللون من المديح النبوي ، والإشارة إليه ، لنخلص بعد ذلك إلى المفهوم السائد في العصر المملوكي للمدحة النبوية ، والذي جعلها تتميز عن غيرها من قصائد المديح . لقد مرّ معنا عند الحديث عن الشعر الذي مدح به الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم في حياته أمثلة كثيرة تذهب في مدح الرسول مذهبا تقليديا ، لا نجد فيها أثر للدين الجديد ، أو نجد أثرا باهتا لا يتعدى المفردات التي علقت بأذهان الشعراء عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، ومما جاء به القرآن الكريم ، وظل النهج الجاهلي هو السائد في أساليب الشعراء ومعانيهم ، لأنهم ظلوا على تقاليدهم الفنية الجاهلية ، ولم يسعفهم الوقت لتتم داخل نفوسهم عملية التغيير والانفعال بالوضع الجديد الذي خلقه الإسلام ، لذلك لا نجد عندهم قصائد كثيرة توازي في سويتها الفنية ما كان عندهم قبل البعثة ، فقد أدخلت عملية التغيير الارتباك والحيرة إلى نفوسهم فهم لا يدرون كيف يخاطبون النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وليس لهم عهد بمخاطبة الأنبياء ، وليس بين أيديهم تراث من ذلك القبيل . وإذا كان لشعراء زمن البعثة ما يسوّغ لهم التقليدية في مدح رسول اللّه ، فإن من جاء بعدهم ، وعاش الإسلام منذ الصغر ، وتشبّع بمبادئه ، لا يوجد ما يسوّغ لهم التأكيد على القيم التقليدية في مدح الرسول الكريم ، ففي العصر المملوكي الذي ذهب فيه الشعراء بالمدح النبوي كل مذهب ، لم تختف القيم التقليدية من المدحة النبوية ، وظل الشعراء يرددون في مدح الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ما كان يمدحه به الشعراء المخضرمون في حياته ، وقد خلطوا القيم التقليدية بالمفاهيم الدينية التي تشعبت على عهدهم وفق مذهب الشاعر الديني ، وكانت نسبة المعاني التقليدية تقل وتكثر حسب ثقافة الشاعر وموقعه ومذهبه الديني ، وتتفاوت من قصيدة إلى أخرى ، تطغى القيم التقليدية أحيانا ، فيستحيل المدح في معظمه تقليديا ، لا يتعدى القيم الحياتية الدنيوية التي يمدح بها الشعراء السادة والعظماء ، وتختفي أحيانا أخرى ، فتكون الصبغة الدينية هي التي تصبغ المدحة كلها .